محمد سعيد رمضان البوطي
304
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ومن الواضح أنه يستثنى من عموم ما ذكرناه ، ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره وزمام نفسه ، إذ لا يتعلق به حكم تكليفي في ذلك الطور ، وعليه يحمل ما قد قيل من أن العز بن عبد السلام نفسه قد هاج مرة فقام يقفز ، إذ كيف يفعل ذلك باختيار وقصد وهو صاحب النص الذي نقلناه عن كتابه ؟ « 111 » . 3 - ( المنافقون : طبيعتهم ومدى خطورتهم على الإسلام ) ، نال أمر هذه الغزوة من حديث كتاب اللّه عنها وتعليقه عليها ما لم تنله أي غزوة أخرى ، وإنك لتقرأ عنها في سورة التوبة آيات بل صفحات كثيرة . وتركز معظم هذه الآيات على بيان أهمية الجهاد بالنفس والمال في سبيل اللّه وأنه الدليل الوحيد على صدق إسلام المسلم ، وأنه أهم فارق بين المؤمنين والمنافقين ، وأن على المسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يركنوا إلى الدعة والراحة وأن يستهينوا بما قد يتعرضون له من عذاب وشدة في سبيل اللّه تعالى . كما أطالت في الحديث عن المنافقين وفضح نواياهم والخفيّ من مقاصدهم . والدرس الذي في ذلك هو بيان خطورة أمر النفاق والمنافقين على المسلمين في كل عصر ، وإيضاح أن الإسلام دعوى لابدّ أن يصدقها الجهاد والتعرض للمحن ، حتى يتميز الصادق عن الكاذب ، ويمحّص إيمان المؤمنين عن دجل المنافقين . ولقد كانت تبوك أعظم مادة لهذا الدرس
--> نفسه أنه إنما ينتصر للرأي الذي أصبح جزءا من شخصيته وكيانه بين الناس . لا ينبغي للمسلم ( لدى البحث العلمي ) ، أن يضع أي شيء نصب عينيه إلا كتاب اللّه وسنة رسوله ، ولا يجوز له أن يدع أي سلطان من دون سلطانهما يتسلل بالتأثير على نفسه وفكره . ولا ينبغي ، إذا التزم هذا المسلم الحق ، أن يضيق أحد من المسلمين بكلامه ، أو أن يغضب لأحكامه . وإذا كنت قد بحثت في هذا الكتاب مسائل انتهيت فيها إلى مخالفة بعض الناس ، فليس ذلك - يشهد اللّه - حبا بمخالفتهم ولكن حبا بالتزام كتاب اللّه وسنة رسوله ، وربما أخطئ في الحكم والاستنتاج ولكن هذا هو الدافع . وإذا كنت أبحث الآن في مسألة انتهيت فيها إلى موافقة أولئك البعض ومخالفة كثير من عوام المسلمين أو المتصوفة فيهم ، فليس ذلك أيضا حبا بمخالفتهم أو شهوة لنقدهم ، ولكن رغبة خالصة في أن لا أحيد عن كتاب اللّه وسنة رسوله ، مع تقديري لكثير من هؤلاء السادة ، ويقيني بصلاحهم وصفاء نياتهم . وعذري أن هذا التقدير لا يسوغ تجاوز النصوص أو القواعد أو التأويل لها . ولو بحث المسلمون عن الحق الذي يجب اتباعه ، عن طريق هذا الميزان ، لما قامت فئات تتخاصم وتتجافى عن بعضها رغم ما قد يقع بينها من خلاف في الرأي والاجتهاد ، ولكن العصبية والغلو هما اللذان أوديا بالمسلمين إلى هذا الذي نراه . يحاسب المتصوفة خصومهم على ما يرونه عندهم من تطرف وغلو ، ولا يحاسبون أنفسهم على ما يتلبسون به هم من الغلو والبدع التي لا وجه في الإسلام يسوغها ! . أفهذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون ؟ . . إن الغلو في الأمر لا يأتي إلا من غلو آخر يقابله فمن أراد الانتصار لدين اللّه وهدي رسوله فليقطع دابر كل غلو واختراع وبدعة ، فإن ذلك خير علاج لما قد يوجد من غلو معاكس لدى الآخرين . ( 111 ) انظر كتاب كف الرعاع : 48 على هامش الزواجر لابن حجر .